إضافة رد
  #1  
قديم 30-07-2011, 01:47 AM
مسمار مسمار غير متواجد حالياً
عضو الدار
 
تاريخ التسجيل: May 2010
المشاركات: 215
افتراضي نظرية الطوفي: رفضها الفقه في العقد السابع واستوردها من فرنسا في العقد الثالث عشر

نظرية الطوفي التي رفضها الفقه الإسلامي ، في العقد السابع الهجري استورد تها جميع الدول الاسلامية في العقد الثالث عشر الهجري - بما فيها المملكة من فرنسا ، وجعلتها الاساس الذي توضع به النظم الادارية في جميع الدول الاسلامية


اليك نبذة عن هذا العالم الفذ

نجم الدين الطوفي الحنبلي ، احد فقهاء الحنالبة - (المتوفى سنة 716هـ) صاحب الرسالة المسماة (في رعاية المصلحة)، حيث جعل من حجية المصلحة إمكانية تغيير حكم النص ، حيث بلغت نظرية الطوفي حداً لم يصل اليه تاريخ الفقه الإسلامي إلى يومنا هذا – عدا عدد محدود من بعض المعاصرين من فقهاء القانون .
بلغ الطوفي في رسالته المسماة (في رعاية المصلحة)، وذلك من خلال توظيف المنطلقات المعتمدة في إثبات المصلحة والإستحسان، وهي المنطلقات الكاشفة عن مراعاة الشرع للمصلحة؛ كتلك التي وظف لها الشاطبي - فيما بعد - الدليل الإستقرائي . لكن الملاحظة التي تسترعي الإنتباه هي أن نظرية الشاطبي رغم ما لها من أهمية وقيمة، لإعتمادها على المنطق الإستقرائي، لم تستطع ان تستكشف الجديد مثلما سبق اليه الطوفي في ترجيح المصلحة على حكم النص. إذ يفترض أن الوعي بالدليل الإستقرائي يدفع الباحث لإستكشاف ما يمكن أن تمتد اليه يده، خلافاً لما لو كانت ممارسة هذا الدليل من غير وعي كما هو حال الطريقة التلقائية التي اعتمدها الطوفي في استكشافه الجديد. مما يعني ان الطوفي قد توصل إلى ما لم يتوصل اليه الشاطبي فيما بعد.
فرغم السبق الزماني وعدم الوعي بالدليل الإستقرائي كانت نظرية الطوفي أكمل مضموناً مما عليه نظرية الشاطبي، وأن هذه الأخيرة كانت مقطوعة الصلة بالأولى. بل يمكن القول ان المضمون المعرفي لنظرية الطوفي بلغ حداً لم يصل اليه تاريخ الفقه الإسلامي إلى يومنا هذا.
الطوفي كان يعي ذلك حينما صرح بجدة نظريته وانها أبلغ من طريقة الإمام مالك في الإستصلاح، لأخذه بالمصلحة حتى ولو خالفت نصاً أو إجماعاً .

ويؤسف من ان البناء الذي اسسه الطوفي في هذا المجال لم يجد من يرعاه وسط الفقهاء، مما جعل ولادته يتيمة. فقد رفض الفقهاء مشروع الطوفي بنحو من الاجماع مع تشديد النكير عليه، حتى لقي في حياته الكثير من المتاعب بالاضطهاد والحبس والتعزير والتسفيه والتشنيع، سواء من قبل السلطة الحاكمة أو من الفقهاء انفسهم، بل واتهم على آرائه الجريئة في المصلحة بنقد بعض كبار الصحابة واتهم ايضا بالتشيع .

يمكن اعتبار نظرية الطوفي نتاجاً طبيعياً للتطور الذي أفضى اليه الفقه الإسلامي عبر مراحله التاريخية، وذلك لعدد من المبررات التراثية التي سبقتها ووجدها الطوفي حاضرة أمامه، فضلاً عما لفت اليه النظر في العودة إلى تحليل القضية من زاوية ما امدته الشريعة الإسلامية من نصوص

هكذا نخلص إلى ان نظرية الطوفي لها ما يبررها بحسب المقالات والنتائج التي احدثها الفقه خلال مراحل تطوره عبر العصور. فمن جانب لا ينكر اغلب العلماء ترجيح المصلحة على النص والاجماع في بعض الحالات كتلك المقيدة بالمصلحة الضرورية. كما يتفقون على كون المصلحة هي المقصد الاساس الذي تبتغيه الشريعة من وراء احكامها، سواء على نحو المصلحة الضرورية أو الحاجية أو الكمالية.
كما ان بعض المذاهب أجازت ترجيح المصلحة على عموم النص وتقديمها عليه، كالذي ذهبت اليه المالكية. ناهيك عن سائر القواعد والاعمال الفقهية التي أجازت تغيير العديد من أحكام النص .
فبإضافة هذه الأمور بعضها إلى بعض تصبح النتيجة التي جاء بها الطوفي ليست جديدة كل الجدة، وانما نجد بذورها وجذورها عند تلك المنطلقات التراثية التي زخر بها العقل الفقهي. ولولاها لكان من الصعب تصور ان يكون لهذا الفقيه الحنبلي من القدرة والجرأة على ان يصل لمثل ما وصل اليه من نتيجة.


أما الأدلة الفعلية التي لجأ اليها الطوفي فيمكن تقسيمها إلى ما يلي:

1 ـ إكثار الطوفي من الأمثلة الشرعية التي تكشف عن مراعاة الشرع للمصلحة واعتبارها من المقاصد في قبال أحكام الوسيلة. وهو بهذا يتبع الطريقة الإستقرائية في تتبع النصوص الوافرة التي تثبت مراعاة الشرع للمصلحة، كي يستخلص النتيجة المنطقية بوجوب تقديم المقاصد على الوسائل، وبالتالي تقديم المصلحة على سائر الأحكام والنصوص وكذا الاجماع عند التعارض. وبعبارة أخرى أنه لما كانت المصلحة هي المقصودة وان النص والإجماع وسائر الأدلة والامارات الشرعية هي وسائل لتحقيق هذه المصلحة؛ لذا وجب تقديم هذه الاخيرة عليها عند التعارض. فعنده ان الاجماع أقوى من النص، وان المصلحة أقوى من الاجماع، لذا فالأولى ان تكون المصلحة أقوى من النص.

2 ـ تقديم الطوفي لأمثلة عديدة حاول من خلالها أن يبين كيف أن الشرع من جانب، والصحابة من جانب آخر، رجحوا العديد من المصالح على أحكام النص، بل وعلى الاجماع ايضاً، مع أخذ اعتبار عدم تبلور هذا المصدر التشريعي عند الصحابة. كما ان الأمثلة التي ذكرها في رسالته كلها دالة على ترجيح المصلحة، وهي كالتالي :
رغم ان الصحابة اجمعوا على جواز التيمم للمرض وعدم الماء، الا ان ابن مسعود خالف ذلك طبقاً لاعتبارات المصلحة، فقال: (لو رخصنا لهم في هذا، لأوشك ان يبرد على أحدهم الماء، فيتيمم وهو يرى الماء). ورغم ان ابا موسى احتج عليه بالآية وحديث عمّار؛ الا أنه لم يلتفت إلى ذلك، وهو ترك للنص والاجماع للمصلحة .
كذلك رغم قول النبي (ص) لأصحابه حين فرغ من الاحزاب: (لا يصلين أحدكم العصر الا في بني قريضة)؛ الا ان بعضهم صلاها قبل الوصول إلى بني قريضة ، وهو خلاف النص لبعض الاعتبارات المرجحة.
كما ان النبي (ص) قال لعائشة: (لولا قومك حديثو عهد بالإسلام لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد ابراهيم) ، مما يدل على ان هدمها وبناءها من جديد هو الواجب، لكن النبي (ص) تركه لمصلحة الناس. ايضاً ان النبي (ص) لما أمر الناس بجعل الحج عمرة فانهم قالوا: كيف وقد سمينا الحج؟ وتوقفوا. وهو عبارة عن معارضة للنص بالعادة .
وكذا أنه لما أمرهم يوم الحديبية بالتحلل فإنهم توقفوا تمسكاً بالعادة، في أن لا حلّ قبل قضاء المناسك، حتى غضب النبي (ص) وقال: (ما لي آمر بالشيء فلا يفعل؟). كما روى ابو يعلى الموصلي في مسنده ان النبي (ص) بعث ابا بكر ينادي: (من قال لا إله الا الله دخل الجنة) فوجده عمر فردّه، وقال: (إذاً يتكلوا). كما روى الموصلي بأن رجلاً دخل يصلي فأعجب الصحابة سمْته، فقال النبي (ص) لأبي بكر: اذهب فاقتله، فذهب فوجده يصلي، فرجع عنه. ثم أمر عمر فرجع، حيث كلاهما يقول: (كيف اقتل رجلاً يصلي؟). ثم أمر علياً بقتله فلم يجده، فقال النبي (ص): (لو قُتل لم يختلف من امتي اثنان). وبه يعلم ان الشيخين ابا بكر وعمر تركا النص بالإستحسان في اقباله على العبادة، ومع ذلك لم ينكر عليهما النبي (ص) ترك أمره، ولا عاتبهما ولا ثرّب عليهما.

3 ـ ومن حيث الاستدلال بالنص فإن الطوفي بنى نظريته تعويلاً على فهم وتحليل الحديث النبوي (لا ضرر ولا ضرار)، ومن ثم توظيفه ضمن اطار اعتبار المصلحة مقصودة ومرجحة على غيرها. فهو يفهم النفي في الحديث النبوي المشار اليه بأنه (نفي عام إلا ما خصصه الدليل، وهذا يقتضي تقديم مقتضى هذا الحديث على جميع أدلة الشرع، وتخصيصها به في نفي الضرر وتحصيل المصلحة.
لأنا لو فرضنا بعض أدلة الشرع تضمن ضرراً، فإن نفيناه بهذا الحديث كان عملاً بالدليلين، وان لم ننفه به كان تعطيلاً لأحدهما ، وهو هذا الحديث، ولا شك ان الجمع بين النصوص في العمل بها أولى من تعطيل بعضها).
لذا رأى أن تقديم المصلحة عليهما جاء (بطريق التخصيص والبيان لهما، لا بطريق الافتئات عليهما والتعطيل لهما، كما تُقدم السنة على القرآن بطريق البيان) .
ورغم ذلك استدرك الطوفي حالة رأى أنه لا يصح فيها المعارضة بين النص والمصلحة، أو تقديم هذه الأخيرة على الأول، وذلك فيما لو كان النص قطعي الصدور وقطعي الدلالة من جميع الوجوه مطلقاً بحيث لا يتطرق اليه إحتمال بوجه .
يضاف إلى أنه اعتبر المصلحة تلزم في المعاملات ونحوها دون العبادات وما شاكلها من تقادير، وذلك باعتبار (ان العبادات حق للشرع خاص به ولا يمكن معرفة حقه كماً وكيفاً) .


هذه هي نظرية الطوفي التي تتسق مع قول بعض الأصوليين: (حيثما توجد المصلحة فثم شرع الله) . أو كما قال العز بن عبد السلام: (الشريعة كلها مصالح إما تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح) . ومثله ما ذهب اليه الدواليبي في كتابه (المدخل إلى اصول الفقه) معتبراً قاعدة المصلحة مستقاة من روح الشريعة وبالتالي صحة بناء الحكم فيها وذلك لِما (في الشريعة من قواعد عامة برهنت ان كل مسألة خرجت عن المصلحة ليست من الشريعة بشيء)


تحياتي
__________________
( يغفر الإنسان لقاتل أبية ولا يغفر لـ مغتصب حقوقة )

التعديل الأخير تم بواسطة Voltaire ; 30-07-2011 الساعة 07:05 AM
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 30-07-2011, 01:57 AM
مسمار مسمار غير متواجد حالياً
عضو الدار
 
تاريخ التسجيل: May 2010
المشاركات: 215
افتراضي

نظرية الطوفي التي رفضها الفقه الإسلامي ، في العقد السابع الهجري استورد تها جميع الدول الاسلامية في العقد الثالث عشر الهجري - بما فيها المملكة من فرنسا ، وجعلتها الاساس الذي توضع به النظم الادارية في جميع الدول الاسلامية

....................................


يؤكد القول أعلاة بخصوص استيراد الأمة الاسلامية بما فيها المملكة - فكرة الطوفي من الفقه والقضاء الفرنسي ، الذي صنع الأساس الرئيسي الذي يستمد منه كل أنظمة الدولة الإدارية - أي دولة – بما فيها جميع الدول الإسلامية ومن ضمنها المملكة .
وهي أفكار ونظريات صنعتها الأمة الفرنسية، جميعها تهدف لتحقيق المصلحة – لا غيرها . وبناء على ذلك يكيف ديوان المظالم الوظيفة العامة في حكمه رقم 7/ ت لعام 1400 هـ بالآتي : ( الوظيفة العامة - تكييفها - الوظيفة ولاية معينة غايتها الصالح العام - بيان ذلك : إن ولي الأمر حين يسند ولاية معينة إلى موظف ما فإنه يستهدف من وراء ذلك تحقيق الصالح العام، ومن ثم وجب على الموظف وهو يباشر أعمال وظيفته أن يتوخى العناية والحرص في أدائها تحقيقاً للمصلحة العامة والعمل على كل ما من شأنه عدم الأضرار بتلك المصلحة التي هي هدف الوظيفة وغاية كل عمل عام ) .... فالتعبير واضح في هذا الحكم ؛ إن المصلحة هي هدف الوظيفة العامة وغاية كل عمل عام


وبين ديوان المظالم أساس صدور القرارات الإدارية برمتها – في حكمه رقم 121/ت/3 - 1412هـ بالمبدأ التالي : ( رفض الدعوى المقدمة من المدعى بالمطالبة بإلغاء قرار البلدية المدعى عليها - رفض الدعوى على أساس أن قرارات الإدارة تصدر بقصد تحقيق الصالح العام وتسيير المرافق العامة) .................. يقول الحكم بقصد تحقيق الصالح العام ولم يقول بقصد تطبيق الشريعة الاسلامية


وفي حكم لديوان المظالم برقم 32/ ت لعام 1399 هـ يقول : ( .... فقد غاب عن الوزارة المدعي عليها أن ديوان المظالم حين يتصدى للفصل في المنازعات التي تثور بين جهات الإدارة المختلفة والأفراد - كما هو الحال في الخصوصية المعروضة - إنما يفصل فيها ليس باعتباره قاضياً عادياً وإنما باعتباره قاضياً إدارياً مهمته الفصل فيما ينشأ من منازعات إدارية بين الإدارة والأفراد، ومهمة القضاء الإداري ليست سهلة ميسورة فهو بحسب طبيعة اختصاصاته يفصل في نزاع بين طرفين ليسا علي حد سواء من حيث تساوي المصالح فأحد طرفي المنازعة وهي الإدارة تمثل المصلحة العامة والطرف الآخر فيها هو الفرد من الناس يمثل المصلحة الخاصة . والتوفيق بين سلطة الإدارة وما تمليه المصلحة العامة التي تقوم عليها المنازعة الإدارية وبين مصالح الأفراد الخاصة يحتاج إلى دراية وخبرة موفورة ونظرة ثاقبة ويعتبر علي درجة كبيرة من الدقة والحساسية وهو من الأساسيات لحماية المجتمع من العسف والانحراف وتحقيق الاستقرار والطمأنينة .... )
فالحديث في هذا الحكم ومثله يدور برمته عن مصالح لا غيرها ، عامة او خاصة ، ولم يقول الهدف من الحكم تطبيق الشريعة الإسلامية




وبحكم ان نظريات العمل الحكومي برمته من صناعة الفقه والقضاء الفرنسيين - فانه حتى حالات اجتهاد ديوان المظالم - عندما يعرض عليه حالة من حالات اعمال الدولة ، لم يتقرر حكمها بنص في نظام ، فان ديوان المظالم - لا يذهب للاجتهاد بحكم من الفقه الإسلامي ، إنما يذهب للفقه الإداري الذي هو صناعة خالصة للأمة الفرنسية ، وفي هذا الصدد حكم ديوان المظالم في حكمه رقم 4/د/2 لعام 1400هـ بما يلي : ( .... إن المقرر بادئ الرأي أن القضاء الإداري قضاء إنشائي بمعنى أنه يبتدع الحلول الملائمة للأوضاع الإدارية عند غياب الحكم النظامي ، ولا محاجة في أن هذا موجب للاجتهاد ، ولا محاجة أيضاً في أن من أسباب الاجتهاد الاستهداء بالحلول والمبادئ المقررة في أنظمة القضاء الإداري في البلاد الأخرى التي أخذت بهذا النظام ، وأولها نظام القضاء الإداري الفرنسي، وعنه أخذ نظام القضاء الإداري المصري، ومن قبله في بلجيكا، ونقلته أيضاً اليونان وتركيا ولبنان . وقد اطرد الفقه والقضاء الإداريين في هذه البلاد جميعاً على أن يستهدي يبعضه البعض وأن يعتبره مرجعاً له، فلا غرابة والحال كذلك – عند غياب الحكم النظامي - من الاستهداء بالحلول المتبعة في أنظمة القضاء الإداري الأخرى ... )



تحياتي
__________________
( يغفر الإنسان لقاتل أبية ولا يغفر لـ مغتصب حقوقة )

التعديل الأخير تم بواسطة مسمار ; 30-07-2011 الساعة 02:28 AM
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 30-07-2011, 03:10 AM
مسمار مسمار غير متواجد حالياً
عضو الدار
 
تاريخ التسجيل: May 2010
المشاركات: 215
افتراضي لقد استخدم الخميني نظرية الطوفي فجعل الفقه الشيعي متقدم على الفقه السني بعد ان كان خلفه منذ نشأته

الفكر الشيعي لا يعترف بحكومة المصلحة على سائر الأدلة الشرعية، بل يقتصر على ما فيه الضرر. فالطوفي يرى ان المقابلة بينهما عبارة عن الضدية والتناقض بلا واسطة، فوجود المصلحة هو في حد ذاته يعد نافياً للضرر، والعكس صحيح .
في حين ان الفكر الشيعي يكتفي بجعل العلاقة بين الطرفين علاقة مختلفة تتضمن العموم والخصوص، بحيث ان فوات المصلحة لا يعبر دائماً عن حضور الضرر، أو لكون المصالح الحقيقية هي تلك التي يقررها الشرع، وان ما يدركه العقل من مصالح مخالفة لا بد من أن تعبّر عن نوع من الأوهام العقلية.

لذلك اقتصر فقهاء الشيعة على قبول ما نصّت عليه القاعدة في دفع الضرر المباشر، وكذا المصالح العقلية إن كانت قطعية ليس فيها مجال للإحتمال المقابل .


وعليه فإن للفكر الشيعي ثلاثة اعتبارات لرفض نظرية الطوفي:

1 ـ لا يرى الفقه الشيعي الضدية بلا واسطة بين المصلحة والضرر كما هو الحال لدى نظرية الطوفي . لهذا فهو وإن مال إلى وجوب دفع الضرر؛ الا أنه في الوقت ذاته لا يجيز التعويل على مبدأ المصلحة الا ضمن شروط تتحدد بمنصوصيتها الشرعية أو بقطعيتها العقلية وعدم منافاتها لما ورد به الشرع، على ما سيأتي الآن.

2 ـ يرفض الفقه الشيعي المصلحة المرسلة كلياً حينما تكون ظنية لا قطعية. وكما يقول الشيخ المظفر بأن المصالح المرسلة وكذا الإستحسان وسد الذرائع (إن لم ترجع إلى ظواهر الأدلة السمعية أو الملازمات العقلية لا دليل على حجيتها، بل هي أظهر أفراد الظن المنهي عنه. وهي دون القياس من ناحية الاعتبار) .

3 ـ إن المصلحة العقلية لدى الفقه الشيعي لا تخصص عاماً ولا تقيد مطلقاً ولا تغير حكماً ، وكل ما يبدو فيه من منافاة لحكم النص يأول بكونه من أوهام العقل، وان المصلحة الحقيقية هي تلك التي تكون مستبطنة في حكم النص على اطلاق . وكما يقول السيد عبد الحسين شرف الدين: (نحن الإمامية اجماعاً وقولاً واحداً لا نعتبر المصلحة في تخصيص عام ولا في تقييد مطلق الا اذا كان لها في الشريعة نص خاص يشهد لها بالاعتبار، فاذا لم يكن لها في الشريعة أصل شاهد باعتبارها ايجاباً أو سلباً كانت عندنا مما لا اثر له، فوجود المصالح المرسلة وعدمها عندنا على حد سواء) .

هكذا يتبين رفض الفكر الشيعي لنظرية الطوفي جملة وتفصيلاً. إذ يمنع هذا الإتجاه الأخذ بالمصلحة ما لم تكن قطعية، فكيف اذا ما كانت على حساب النص؟!

لكن مع كل ما سبق شهد الفقه الشيعي تطوراً كبيراً جرى على يد الإمام الخميني في تعديل الإتجاه لدى الفكر الشيعي وضوابطه الفقهية، نتيجة للإحتكاك بالواقع وضغط الحاجات الزمنية بعد تأسيس الدولة الإسلامية الجديدة.
فقد أعاد الإمام الخميني ما سبق ان انفرد به الطوفي في التعويل على المصلحة وترجيحها على حكم النص عند التعارض.
وجسّد هذا المبدأ ضمن القرارات التي اتخذتها الدولة الإسلامية، حتى اعتبره بعض التابعين من الفقهاء بأنه صاحب طريقة جديدة في الإجتهاد لم يسبق لها غيره من علماء المذهب، سيما وأنه أقرّ بتأثير الزمان على عملية الإجتهاد وتقرير الاحكام.

فمن المعلوم أن فقهاء الشيعة ينكرون العمل بالمصلحة (الظنية) ولا يقرون مرجعيتها حتى بحدود ما لا نص فيه، لكن الحال لدى الإمام الخميني شيء مختلف تماماً، إذ أخذ على عاتقه مبدأ العمل باعتبارات المصلحة الخاصة بحفظ النظام مقدماً اياها على غيرها من الأحكام والأدلة الشرعية، وعلى رأسها أحكام النص.

فالامام الخميني يحدد مجال الأخذ بالمصلحة وترجيحها. فهو يقيد المصلحة بحدود نظام الحكم السياسي فحسب ويرجحها على النص عند التعارض .

فقد دعا إلى تكوين مجلس فقهي لتشخيص مصلحة النظام، أو استنطاق (الواقع) بعيداً عن فضاء النص وسائر اعتبارات الأدلة التقليدية الموروثة. ومن ذلك أنه أصدر فتوى عام (1988م) أعرب فيها عن أن الحكومة الإسلامية تمثل (سلطة السيادة المطلقة التي وكلها الله سبحانه وتعالى إلى الرسول (ص).. وان هذا أهم حكم من الأحكام الإلهية ، وله اسبقية على كل الأحكام الإلهية الثانوية). وأضاف قائلاً: (لو حددت سلطات الدولة الإسلامية داخل اطار الأحكام الإلهية الثانوية فإن شكل الحكم الإلهي والسيادة المطلقة التي انيبت إلى الرسول (ص) سيكون ظاهرة جوفاء لا معنى لها) .

فهذا هو مبرر التعويل على المصلحة الواقعية التي أكدها بقوله: تستطيع الحكومة ان تلغي من جانب واحد عقودها الشرعية مع الناس حينما تخالف تلك العقود مصالح الدولة والإسلام، وتستطيع ان تمنع كل أمر عبادي أو غير عبادي اذا كان مخالفاً لمصالح الإسلام ما دام كذلك، وتستطيع الحكومة ان تعطل الحج وهو من الفرائض الإلهية المهمة مؤقتاً في الحالات التي تعتبره مخالفاً لصلاح الدولة الإسلامية.

ومن الأمثلة التي ساقها على ذلك:
وضع يد الدولة على املاك خاصة لمشاريع عمومية ورئيسية: مثل بناء الطرق الجديدة وفرض الخدمة العسكرية الاجبارية والتجارة الخارجية وجباية الرسوم الجمركية والضرائب على المصنوعات وعلى الأفراد وفرض التسعير المناسب للمنتجات والبضائع والخدمات، ومنع الغلاء والاحتكار وبيع المخدرات وتداولها وتخزين المواد وحمل الاسلحة النارية وتهريب العملة الصعبة والسلع الممنوعة، وكذا جواز تحديد النسل ومنع تكاثر السكان عشوائياً ووضع شروط الزامية من قبل الحكومة في التعامل بين الأفراد والمؤسسات؛ مثل علاقة العامل برب العمل، ووضع شروط ملزمة اثناء الزواج، وكذا جواز قضاء غير المجتهد العارف بالاحكام، ومنع استخدام الانفال دون قيد وشرط تبعاً لتحليل الانفال للشيعة؛ كمنع قطع اشجار الغابات، وجواز بيع السلاح لاعداء الدين لو كان فيه تقوية للبنية المالية والمصلحة العامة للمسلمين.

بهذا يتبين مدى الاتفاق الذي يجمع بين الطوفي والخميني، مع أن الأول لاقى في حياته الكثير من المتاعب على آرائه وأفكاره، خلافاً للثاني الذي مازالت آراؤه مورد توسعة واعتماد وتنفيذ. /
وبالتالي فإن سرّ العلاقة التي تجمع بين هذين الفقيهين هو ما انفردا به من إجتهاد خاص رجحا فيه المصلحة العقلية على النص عند تعارضه معها . أي انهما أجازا تغيير حكم النص بهذه المصلحة.

ومعلوم أنه لم يقل بذلك احد قبل الطوفي ولا بعده من الفقهاء سوى الامام الخميني ، فتلك هي العلاقة التي تربط بين فقيهين ينتميان إلى مذهبين وزمانين مختلفين، أحدهما معاصر ومؤسس لدولة اسلامية، والآخر عاش قبل سبعة قرون مضت

فقد شهد الفقه الشيعي بعد الثورة الإسلامية في ايران تحولاً جديداً جعله يختلف عما كان عليه من قبل .
فلأول مرة في تاريخ هذا الفقه يصرح عالم لامع بضرورة أخذ اعتبار المصلحة وشروط الزمان والمكان في تشريع الأحكام، معتبراً إجتهادات القدماء إنما جاءت طبقاً لشروط ظروفهم من الزمان والمكان.

فهذا ما صرح به الإمام الخميني مشيراً إلى أنه لا يبغي من ذلك ايجاد فقه جديد يختلف عن الفقه التقليدي مثلما هو الحال لدى النجفي صاحب الموسوعة الفقهية الشهيرة (جواهر الكلام). لكن واقع الحال أنه تجاوز طريقة النجفي وغيره ممن رسموا الصورة التقليدية للفقه، خصوصاً وأنه اعتبر الحكم الفقهي قد يكون له موضوع هو غير الظاهر من المسألة، وأنه أدخل في الحساب الشروط الزمانية والمكانية في التشريع الإجتهادي، كما أنه أجاز التعارض بين المصلحة في نظام الدولة الإسلامية والأحكام الجزئية ورجح الأولى على الثانية عند التعارض، فكل ذلك يعد تجاوزاً لما كان، وهو بداية الثورة على الفهم التقليدي.

لقد كان كل من يَقْدِم على رأي جديد يتجاوز اعتبارات السلف يواجه حشداً من الاعتراضات، وبعد عملية الجدل والصراع بين الرفض والقبول ينتهي الأمر - عادة - لصالح الاخير تبعاً للحاجة الزمنية. فالكثير من القضايا المستجدة التي لها مساس بالحياة الاجتماعية الحديثة واجهت في البدء رفضاً قوياً، ثم تحول الأمر شيئاً فشيئاً إلى قبولها وامتثالها، واصبحت تقبع كجزء من النظام المعرفي المسلم به، وذلك بعد اضفاء التبرير الشرعي عليها بفعل ضغط الواقع.

هذا ما حصل مع التلفزة والموسيقى والتصوير والنحت والفنون وبعض أنواع الغناء وغيرها، يضاف إلى القضايا والاشكاليات الثقافية التي زرعها المثقفون الدينيون والعلمانيون على السواء، مثل قضايا حقوق الإنسان والمرأة وحرية الرأي والديمقراطية والدستور والمواطنة والمساواة وغيرها من القضايا والاشكاليات .

فقد واجه الفقه السني مثل هذه الأمور وذلك بفعل احتكاكه بالواقع والانفتاح على حاجات الدولة وما واجهته من مستجدات غربية فرضت نفسها على العالم ككل. أما الفقه الشيعي فقد مر بعزلة شديدة بفعل موقفه السلبي من الدولة وسلطتها السياسية،لكنه لا يختلف عن نظيره السني في موقفه الرافض للجديد من الافكار والمواقف الفقهية.

وقد خطا الخميني خطوة جريئة لإنهاء لعبة الجدل بين الرفض والقبول لكل مستحدث جديد. ويعد هذا المسلك فريداً بمقاييس الإجتهاد الشيعي، حيث التعويل على اعتبارات الزمان والمكان وطرح ما يقابلها من اعتبارات السلف وإجتهاداتهم، كذلك ترجيح المصلحة على حكم النص.

فالمبدأ العام الذي يتحكم بطريقة الفقهاء التقليديين للشيعة ، هو بطلان الإجتهاد عند وجود النص، الا ما كان له علاقة بفهمه بحسب الصور اللفظية، لكنهم تسامحوا - ضمن حدود - عند عدمه . في حين ان ما جاء به الخميني هو غير تلك الصورة، حيث أنه تقبل الإجتهاد حتى مع وجود النص، الأمر الذي يرفضه فقهاء الطريقة التقليدية؛ معتبرين هكذا إجتهاداً هو في قبال النص، وانهم على ذلك عدوا الأحكام مؤبدة غير قابلة للتغيير،وهو ما يفسر عدم اهتمامهم بمبدأ تأثير الزمان والمكان على الأحكام، خصوصاً وأنه متداول لدى فقهاء السنة منذ زمن بعيد. فمع ذلك لا توجد اشارة توحي بقبول هذا المبدأ ولو بحدود الفتاوى الإجتهادية غير المنصوص فيها كالذي يعمل به فقهاء السنة، فكيف الحال مع الأحكام التي تعود إلى النص ذاته؟!

هكذا تعد طريقة الإمام الخميني جديدة بما تتضمنه من القاعدة الكلية التي تطبق على مختلف أنواع الأحكام. هكذا فبحسب الطريقة الجديدة للخميني أصبح الإجتهاد مستنداً إلى مبدأ الواقع خارج نطاق النص، ومن ذلك أنه جدد بعض الفتاوى والأحكام بخلاف ما هو السائد وسط الفقهاء، مثل رأيه حول موارد الزكاة والرهان في السبق والانفال والشطرنج والالات الموسيقية، خصوصاً وان بعض هذه القضايا عُدّت من المحرمات في ذاتها كما اشار إلى ذلك المحقق الحلي، وسبقه في تأكيد حرمتها شيخ الطائفة الطوسي .

لذلك أثارت هذه الطريقة حفيظة التيار التقليدي من الفقهاء، فاستشكل عليه عديدون، بعضهم من تلامذته مثل الشيخ محمد حسن القديري، مما جعل الخميني يذكّره في رسالة خطية بما مضمونه : أنه بغير الفهم الجديد لمثل تلك القضايا فإن الفقه الإسلامي سوف ينفصل عن الحياة ولا يصلح تطبيقه بأكثر من حياة الكهوف والصحارى المعزولة.

ان الانطلاقة التي فجرها السيد الخميني جعلت الفقهاء الجدد ينفتحون على أبواب ما كان لهم أن يجرأوا على طرقها لولا تلك الإثارة مع وجود الحاجة وضغط الواقع.
وأصبح الحديث عن المقاصد الخاصة غير المنصوص فيها وارداً، وقد كانت محظورة لدى الفهم التقليدي الذي اكتفى بقاعدة كشف الملاك من النص دون غيره.

واخذ الفقهاء الجدد يتحدثون عن اتخاذ موقف رافض للجمود العالق بعدد من فتاوى الطريقة التقليدية، وهي الفتاوى التي أصبحت لا تتناسب مع ما عليه الواقع مثل إخراج فائدة البنوك عن التحريم ، وتحليل الربا عن طريق تغيير كيفية المعاملة الربوية، وعدم مشروعية التعزيرات الا بالجلد .

فقد حاول البعض ان يتنصّل من الإشكالات العالقة بالتعامل مع البنوك؛ معولاً في ذلك على وجود علاقات مستحدثة لا يصح اقحامها ضمن اعتبارات الربا الوارد ذكرها في النص. ذلك ان الممارسة البنكية هي ممارسة استثمارية تتحول فيها الأموال السائبة إلى عمل، وبها تدور عجلة اقتصاد العالم، فهي بالتالي ضرورة حياتية تتوقف عليها كافة انظمة الحياة الاجتماعية، كذلك أنه لا وجود للشخص في هذه الممارسة، بل أنها منّا والينا، مما يجعلها مختلفة عن الممارسة الربوية التي حرمها الشرع الإسلامي .

وكذا دعا بعض آخر إلى اتخاذ موقف رافض للجمود العالق بعدد من فتاوى الطريقة التقليدية، وهي الفتاوى التي أصبحت لا تتناسب مع ما عليه الواقع .

هكذا تجري اليوم في ايران حركة جديدة من الذوق الفقهي لم تكن مألوفة من قبل، رغم أنها ما زالت تفتقر إلى التنظير العلمي المطلوب. وقد نشأت بفعل تطورات الواقع وما أفرزه من حاجات جديدة. الأمر الذي جعل بعض الفقهاء الجدد يشكك في صحة ما كانت عليه الطريقة التقليدية للفهم الفقهي، حيث ظهر عجزها وعدم قدرتها على مواكبة الحياة وحل المشاكل الحديثة .


تحياتي


.
__________________
( يغفر الإنسان لقاتل أبية ولا يغفر لـ مغتصب حقوقة )

التعديل الأخير تم بواسطة مسمار ; 30-07-2011 الساعة 03:23 AM
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 01-08-2011, 03:28 AM
توماس جفرسون توماس جفرسون غير متواجد حالياً
عضو الدار
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
المشاركات: 1,166
افتراضي

شكرا لهذا الجهد الرائع أستاذنا مسمار ...

لاشك ان هذه النظرية تقدمية جدا , ولو طبقت في كل مناحي الحياة لتوصلنا للدولة العلمانية بدون حرج !

وربما هذا ما سيحدث في نهاية المطاف ...

صدقا متى ماتحقق ذلك فسيكون الطوفي هو لوثر المسلمين , وإذا ما أخذنا الفارق الزمني - لصالح الطوفي طبعا - فسنعكس الآية ...

الشاطبي - كما أرى - أخذ في الإعتبار ماحدث للطوفي فكان أكثر حرصا في تمرير ما يمكن تمريره ..

الخميني نجح لأنه صاحب سلطة ولأن المجتمع حينها - بعد الشاه - كان أكثر تحررا منه اليوم , أظنه كان سيفشل لو أنه أتى في هذا الزمان ...

مايدهشني أكثر أن الطوفي كان حنبلي المذهب !

شكرا مرة أخرى , وكل عام وأنت بخير , ولا حرمنا الله قلمك ...
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 04-08-2011, 08:53 AM
يعرب يعرب غير متواجد حالياً
عضو الدار
 
تاريخ التسجيل: May 2010
المشاركات: 981
افتراضي

مدهش حقا.

موضوع اكثر من رائع . وقد شجعني إضافة الى الرغبة بقراءة الكتب المذكورة على ابتياع برنامج اوفس-وورد لكي احفظه بجهازي. حاليا وضعته في المفضلة.

شكرا لك
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Loading...


Powered by vBulletin® Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.
الآراء الواردة في الدار تعبّر عن وجهة نظر صاحبها، ولا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر إدارة الدار

منتديات  اجمد ناس

↑ Grab this Headline Animator